العيني

75

عمدة القاري

ابن رافع ، بالراء وبالفاء : ابن مالك الزرقي ، شهد المشاهد ، روي له أربعة وعشرون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات زمن معاوية ، رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه : العنعنة في خمسة مواضع . وفيه : القول في موضع واحد . وفيه : عن علي بن يحيى ، وفي رواية ابن خزيمة : أن علي بن يحيى حدثه . وفيه : أن رجاله كلهم مدنيون . وفيه : رواية الأكابر عن الأصاغر ، لأن نعيما أكبر سنا من علي بن يحيى ، وأقدم سماعا منه . وفيه : رواية ثلاثة من التابعين في نسق واحد ، وهم من بين مالك والصحابي . وفيه : من وجه رواية الصحابي عن الصحابي ، لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه أبو داود أيضا عن القعنبي عن مالك . وأخرجه النسائي عن محمد بن مسلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك به . ذكر معناه قوله : ( يوما ) ، يعني : في يوم من الأيام . قوله : ( قال رجل وراءه ) أي : وراء النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولفظ : وراءه ، في رواية الكشميهني ، وليس بموجود في رواية غيره ، والمراد بهذا الرجل هو : رفاعة بن رافع راوي الخبر ، قاله ابن بشكوال ، واحتج في ذلك بما رواه النسائي وغيره : عن قتيبة عن رفاعة بن يحيى الزرقي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة عن أبيه ، قال : ( صليت خلف النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فعطست فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، مباركا عليه كما يحب ربُّنا ويرضى . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انصرف فقال : من المتكلم في الصلاة ؟ فلم يكلمه أحد ، ثم قالها الثانية : من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع : أنا يا رسول الله . قال : كيف قلت ؟ قال : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا أيهم يصعد بها ) . انتهى . قيل : هذا التفسير فيه نظر لاختلاف القصة ؟ وأجيب بأنه لا تعارض بين الحديثين لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر نفسه في حديث الباب لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد ، ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ الرجل ، وأما الزيادة التي في رواية النسائي فلاختصار الراوي إياها ، فلا يضر ذلك . فإن قلت : ما هذه الصلاة التي ذكرها رفاعة بقوله : ( كنا نصلي يوما ) ؟ قلت : بين ذلك بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة أن هذه الصلاة كانت صلاة المغرب . قوله : ( حمدا ) ، منصوب بفعل مضمر دل عليه . قوله : ( لك الحمد ) . قوله : ( طيبا ) أي : خالصا عن الرياء والسمعة . قوله : ( مباركا فيه ) ، أي : كثير الخير . وأما قوله في رواية النسائي : ( مباركا عليه ) ، فالظاهر أنه تأكيد للأول : . وقيل : الأول بمعنى الزيادة والثاني بمعنى البقاء . قوله : ( فلما انصرف ) أي : من صلاته . قوله : ( قال : من المتكلم ؟ ) أي : قال النبي صلى الله عليه وسلم من المتكلم بهذه الكلمات ؟ قوله : ( بضعة وثلاثين ملكا ) ، ويروى : بضعا وثلاثين ) ، والبضع ، بكسر الباء وفتحها : هو ما بين الثلاث والتسع . تقول بضع سنين ، وبضعة عشر رجلاً وقال الجوهري ، إذا جاوزت العشرة ذهب البضع ، لا تقول : بضع وعشرون . قلت : الحديث يرد عليه لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح الفصحاء ، وقد تكلم به . فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار ؟ قلت قد استفتح علي ههنا من الفيض الإلهي أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفا ، فأنزل الله تعالى بعدد حروفها ملائكة ، فتكون أربعة وثلاثين ملكا في مقابلة كل حرف ملك ، تعظيما لهذه الكلمات ، وقس على هذا ما وقع في رواية النسائي التي ذكرناها الآن ، وعلى هذا أيضا ما وقع في حديث مسلم من رواية أنس : ( لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها ) . وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني : ( ثلاثة عشر ) ، فإن قلت : هؤلاء الملائكة غير الحفظة أم لا ؟ قلت : الظاهر أنهم غيرهم ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ، رواه البخاري ومسلم عنه مرفوعا : ( ان لله ملائكة يطوفون في الطريق ويلتمسون أهل الذكر ) ، وقد يستدل بهذا أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة . قوله : ( قال : أنا ) ، أي : قال الرجل : أنا المتكلم يا رسول الله . فإن قلت : كرر صلى الله عليه وسلم سؤاله في رواية النسائي كما مر ، والإجابة كانت واجبة عليه ، بل وعلى غيره أيضا ممن سمع رفاعة ، فإن سؤاله صلى الله عليه وسلم لم يكن لمعين . قلت : لما لم يكن سؤاله ، صلى الله عليه وسلم ، لمعين لم تتعين المبادرة بالجواب ، لا من المتكلم ولا من غيره ، فكأنهم انتظروا من يجيب منهم . فإن قلت :